محمد محمد أبو موسى

328

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

بتقديم الخبر ولا نعلم أحدا يفرق بين : ليس في الدار رجل ، وليس رجل في الدار ، وعلى ما ذكر من أن خمر الجنة لا يغتال ، وقد وصفت العرب بذلك خمر الدنيا قال علقمة بن عبدة : تشفى الصّداع ولا يؤذيك طالبها * ولا يخالطها في الرأي تدويم « 12 » ولم يكن أبو حيان على صواب حينما رفض كلام الزمخشري في هذه الآية وحينما ادعى التسوية بين قولنا : ليس في الدار رجل ، وليس رجل في الدار ، وقوله : « لا نعلم أحدا يفرق بين قولنا . . الخ » ، ليس كلاما دقيقا لأن أئمة هذا الفن قد فرقوا بين تقديم الشيء وتأخيره . وقد قال عبد القاهر : « إذا ثبت أن هناك معنى للتقديم في مثال فيجب أن يثبت هذا المعنى للتقديم في كل مثال » وإذا كنا قد رأينا أن كلام الزمخشري يدل صراحة على لزوم التقديم في هذا النوع للاختصاص فان الزمخشري يرى أن السياق له أثره في تحديد هذه الدلالة ، لذلك تراه يسكت عن الاختصاص في سياق آخر لا يجد له فيه معنى . يقول في قوله تعالى : « وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ » « 13 » : « فان قلت : ما فائدة تقديم خبر « ان » على اسمها ؟ قلت : القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجن اللّه منهم من استتباع رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لآرائهم ، فوجب تقديمه لانصباب الغرض اليه » « 14 » . فان معنى الاختصاص هنا لا يستقيم الا بشيء من التأويل ولذلك لم تكن عبارة الزمخشري مشعرة به واكتفى ببيان أن الخبر هو المقصود الأهم ، فوجب تقديمه . لذلك أميل حين أقرر رأيه في هذا الموضوع إلى القول بأنه يرى دلالة التقديم على الاختصاص غالبا وهذا هو رأى الجمهور الذي صاغه الخطيب في قوله : « والتخصيص لازم للتقديم غالبا » وقد قال العصام : ان عبارة الخطيب هذه فيها حزازة لأنه لا معنى لكلمة اللزوم ما دام الأمر مبنيا على الغالب « 15 » .

--> ( 12 ) البحر المحيط ج 1 ص 37 . ( 13 ) الحجرات : 7 ( 14 ) الكشاف ج 4 ص 287 . ( 15 ) ينظر تقرير الانبابى ج 3 ص 27